كافيتريا أبوشوشة الثقافية !
أول كافيتريا صديقة للبيئة .. نعتذر عن تقديم الشيشة !
دنشواي .. ( قصة قصيرة )
 

دنشواي

 

كنت أنا و صديقيّ قد قُبض علينا " تحرّي " في إحدى الليالي ، و كان مصيرنا في إحدى " زنازين " قسم الشرطة ، لم يمر علينا دقائق حتى عثرت عليه نظراتنا ؛ كان يجلس القرفصاء في ركن بعيد غير هادئ ، باستثناء غيره من زملاء الزنزانة ذهبت إليه ماداً يدي بسيجارة " كليوباترا " ، فردّها قائلاً : " ما بدخّنش " تعجّبت من قوله لا أدري لماذا و لكنني أعدت السيجارة إلى موطنها في العلبة الرّثة و قلت :

" مالك شايل طاجن الحاجة لية ؟‍   "!أومأ برأسه ، فأكملت :

" يا عمّ فضفض "  ، فردّ :

" كفاية اللي أنت فيه ، أنا حكايتي حكاية !!"

" معاك لغاية بكرة الصّبح  !يا عمّ قول "

تنهّد قليلاً ، ثم قال : " أنا ضحية الشرف الغالي !"

كان صديقيّ قد شدّا الرّحال إلى مجلسنا ، و أرهفا السّمع ، فقال مكملاً : " ...

في إحدى حارات " الحسين " حيث أسكن ساد الهدوء أغلب الوقت ، إلا من صفعات فيشات " الطاولة و الدومينو " على ألواح الزّان الخشبيّة في المقاهي ، و قهقهات الفائز في تلك الألعاب ، و التي ما تلبث حتى تنتقل من فم لآخر !

و كانت هناك "قهوة" بعينها كنت أقصدها أنا و الشّيخ " أحمد " شيخ الزاوية في حارتنا ، و ذلك لأننا أحسسنا بأنها شيء قد اقتطع من الماضي ،و توقف به الزمن عندما اندلعت الثورة و " طرد " الملك ،و ظهرت " السّت " ، و التي لا ينقطع صوتها هناك ليلاً أو نهاراً !

و نحن ـ أهل الحارة ـ قد رضينا بما قسمه الله لنا ،و فوّضنا أمرنا إليه !

وفي يوم كنت أجلس أنا و الشيخ " أحمد " جلستنا المعتادة على المقهى ،و كما يقولون : " يا قاعدين يكفيكوا شرّ الجايين " !!

لمحنا سيّارة فارهة تخترق الحارة حتى تقف في " زورها " أمام المقهى ،و يخرج منها شاب فاخر الملبس ، عطِر الرائحة و يتبختر بخيلاء ، حتى يصل إلى إحدى المقاعد في المقهى و يجلس عليه...

كان يبدو عليه النّفوذ الشّديد و الغنى الفاحش ، و كان من النوع الذي تخاف أن تقترب منه أو تخترق مجاله ! فطردنا من ذهننا فكرة الاقتراب منه أو محاولة التعرّف عليه ..

و لكنه خالف كل اعتقاداتنا عندما سحب كرسيّه إلينا ، و جاس في قربنا البعيد حتى لا يتطفّل علينا ، و ألقى التحيّة و عرّفنا بنفسه ...

كان رجل أعمال يمتلك مصنعاً في إحدى المناطق الصناعيّة ، و كان قد اشترى منزلاً في الحارة زاعماً بأنه يحب المناطق الشّعبيّة و الناس" الغلابة " و الخلطة بهم ، و لكي يلجأ إليه ليصفّي ذهنه من تعب " الشّغل" و المصنع !

كان الشّيخ " أحمد " و بقية المجلس قد ارتاحوا إليه ، و لكنني أبداً لم أفعل !

مكث ذلك الرجل في منزله في الحارة ما يتعدّى الأسبوع حتى تقرّب من أهل الحارة ، و اعتبروه ابنا لهم ..

و في عصر يومي الأخير في شفق الحرّية ، كنا نجلس " روتينيّاً " أنا و الشيخ " أحمد " على المقهى بعد صلاة العصر جماعة ، عندما سمعنا صريخاً و عويلاً يأتي إلينا و لا ندري من أين ! و أشخاصاً يركضون فأوقفت أحد الصّبية متسائلاً :

" في إية يا واد ؟ ! "

" إلحق يا عمّ " كامل " دول مسكوا " سامح " بيه  مَعَ .. مَعَ ..."

" مَعَ مين إنطق "

"مَعَ .. واحدة "

" مين ؟ "

" مَعَ .. مَعَ ..  " منى " .. "

****

في زنزانتنا نطق الجميع متسائلاً : " منى مين ؟ ! "

" منى دي تبقى .... أختي   "

ساد سكون هائم في الزنزانة لم يخل من عبارة " اللهم استر على ولايانا "

****

لم أدرِ بنفسي إلا و أنا أركض إلى شقة البائس مع من يركضون ، فوجدت أهل الحارة قد التفّوا حوله بعدما أطاحوا به أرضاً و أخذوا يضربونه بما استطاعوا ، فاخترقتهم لأصل إلى رقبته ، و جعلت أعصرها عصراً ، و رغم محاولات الخلق من حولي أن يفرّقونا إلا أنهم لم ينجحوا إلا و هو جثة هامدة بين يديّ .. قد مات البائس !

نظرت حولي فوجدت شرودَ الناس و بكاء الصغار ، و لمحت أختي باكية ، و قد التفّت بأمي محاولة أن تستر ما لم تستطع خرق ملابسها أن تفعل !!

لم تمض إلا ساعة حتى و جدت الحارة قد امتلأت برجال أعمال آخرين في ملابسهم الحسناء و" فوحان" عطورهم ، أظن أنهم أقرباء البائس الميّت!!

كلهم ملابسهم حسناء و كلهم عطرهم يفوح .. كلهم بؤساء ، و كلهم موتى !!

كان الخبر قد و جد طريقه إليهم ، و قد جلبوا معهم رجال شرطة بؤساء " بأحكامهم العرفية " التي لا تعرف " بنت البنوت " من " بنت الليل " ...

كبّلوا الكثيرين منّا بدون محكمة أو حكم ..

نال الكثير من أهل الحارة السجن، و نلت أنا الإعدام  .. أنا ضحية الشرف .. !

****

بعدما انتهى من جملته الأخيرة ، ورد إلينا خبر رفض طلب الاستئناف الذي قام به ، و أصبح حكم الإعدام نهائياً.. لم يحزن لحظة .. حتى و هم يقودونه إلى زنزانة المحكوم عليهم بالإعدام .. أبداً لم يفعل !

" سينفّذون فيّ حكم الإعدام ، بعدما نفّذوه في شرفي ... الأوغاد "

****

أمّا أنا و صديقيّ فقد أُفرج عنّا ، و عادا إلى بيتهما ...

أنا الآخر كنت عائد إلى بيتي ، عندما ارتفع صوت أذان الفجر الكاذب يوقظ الأسماع من صمت الأحلام ..

كان يمر بجانبي الكثير من الشيوخ في طريقهم إلى الصلاة ، و كانوا يظنون أنني الآخر في طريقي إليها ، فكانوا يستقبلونني بنظرات الاستحسان و الثناء على شبابي الذي أفنيه في العبادة و الصلاة الحاضر... !!

****

عدت إلى بيتي ، دثرت نفسي في فراشي .....

و"  بال " الشيطان في أذني كما لم يفعل من قبل !!!
 
 
 
تمت
بقلم : محمد محمود أبوشوشة


أضف تعليقا

اضيف في 31 ديسمبر, 2006 09:01 م , من قبل لا داعي
من مصر said:

براءة يا عم !!
صدقني يا عزيزي كلنا ضحية للشرف إن لم يكن الشرف الأسري فشرف العرب الضائع أو .....
أبدعت فاستحققت الثناء
شكرا لقصتك و لك

اضيف في 31 ديسمبر, 2006 09:06 م , من قبل onfire
من مصر said:

السجن للجدعان و للا إية؟!!
شكرا لمرورك الكريم أخي "لا داعي"
و لكن لم تترك اسم مدونتك
إن كانت لك واحدة فأعلمني في زيارتك القادمة
دمت سالما

اضيف في 10 مارس, 2007 03:37 ص , من قبل 3alya shukr
من مصر said:

بجد هايله يا محمد عارفه ان رأيى ده جه متأخر اوى و ممكن كمان مش تعرف انى علقت او متخدش بالك بس حبيت اعبر عن اعجابى بهذه القصه الجامده

سورى على التأخير مره تانيه

اضيف في 10 مارس, 2007 09:35 م , من قبل onfire
من مصر said:

الأخت الغالية علياء مهما كان رأيك متأخرا فهو خير كلام أنتظره من شخص كريم مثلك ...
و كويس إن الكلاموز بتاعي عجبك .. و ألا إيز ؟

و خلي بالك من السجاير .. أوكيز؟

يلا سلاموز بقى ...

دمت سالمة



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية