
على الحيادِ أنا دائماً أحيا في الحياة كعاملٍ مساعدٍ في تفاعلٍ كيميائيّ ، بمعنى أصحّ " كمالة عدد " !
لي بعض السطور في تلك الصحيفة تُملأ ببعض العباراتِ بين حينٍ و آخر ، و لكنني أبداً لم أتوقع أنها ستشكل محورَ حياتي !!
في إحدى الليالي ، خرجت هائماً على وجهي وحيداً ، أسيرُ على شاطئ البحر في إحدى بِقاع الإسكندرية ، أتفكرُ قليلاً و أضحكُ على حالي كثيرا ! لم أشعر إلا و قطرات المطر تنهالُ على رأسي و كأنها دبيبٍ من نمل! فهرولتُ إلى إحدى المقاهي القريبة ـ و بالرغم من أن منظرها كان يوحي بغلوّ أسعارها ، و يجبرني على تذكر ما في جيبي من بقية راتبي الضئيل ! ـ جلستُ على إحدى مقاعدها الجلديّة الصنع .. بجوار حوضٍ للسمك .. !
جاءني السّاقي .. فطلبت كوباً من الشّاي " الأرخص سعرا" !
جعلت أنظر إلى السمك مع رشفات الشّاي ، و فجأة ! وجدتني أُخرج قلمي و كراسة أفكاري و أُخطط مقالا عن الأسماك !!
مروراً بالمفترس منها ، مُضياً إلى تلك التى تختنق من ضيق الحوض جانبي !
و ....
" موضوعك نزل يا أستاذ حمدي !" قالها لي سكرتير رئيس تحرير الصحيفة التي أعمل بها ، فابتهجت ، و قلت : " الحلاوة أول ما أقبض ! "
تركت مبنى الصحيفة في طريقي إلى شقتي .. أقصد غرفتي ، حيث أن تشبية غرفتي بالشقة " خطأ لغويّ " ! فهو كتشبيه " بريتني سبيرز " بالحاجة " زينات " جارتي على السطوح !!
اجتزت المفازة التي تفصل بين الدور الأول في العمارة ، وصولاً إلى السطوح .. حيث أسكن ..
وقفت أمام باب غرفتي ، اخترقت يدي مفازتها هيا الأخرى في جيبي لتخرج المفتاح ، و لكنها تسمرت في وسط الطريق عندما هبت عاصفة من خلفي .. و أحسست بيدٍ كمطرقة تدق لي عظمة الترقوة اليمنى ، فتكوّمت على الأرض دفعةً واحدة !!فاستدرت لأجدَ الحاجّة " زينات " تضحك ..
ـ "إزيّك يا أستاذ حمدي ؟ "
ـ" إزيّك يا حاجة .. و إزيّ إبنك صالح ؟ " رددتُ و أنا أصلح من هندامي ..
ـ" و الله تاعبني و مش بيذاكر ..... "
أومأتُ برأسي بالموافقة و ابتسمت لها ، و انحنيت بجسمي داخل الغرفة ، و ابتسمت مرة أخرى و أنا أغلق الباب من خلفي " بِغِلّ " !
ارتشفت كوب الشّاي مع لقيمات العيش " النّاشف " ، و حبيبات الفول "البايتة" ، و حمدت الله ، و صلّيت ما فاتني من فروض ، و توجهت إلى سريري .. و اسمحوا لي أن أدعوه هكذا " من نفسي " ! و قرأت الفاتحة
و ....
رعدٌ و برقٌ و دويّ .." اللهم اجهله خير" .. لم يكن حلماً ، نظرت حولي ..
أخيراً اهتديت إلى مصدر " نشرة أخبار التاسعة " ! .. إنه باب الغرفة .. أشخاص يطرقون الباب و كأن النار خلفهم تأكلهم أكلاً !
تركت النوم مُغطىً تحت " اللحاف " لأعود إليه بعد " الفاصل " !
فتحت الباب ، و يا ليتني ما فعلت !!
فتحت الباب ، فوجدت صاروخ " أرض ـ قفا " موجّة توجيهاً دقيقا ًـ ينم عن خبرة مسبقة ـ يهوي و يهوي بكرامتي.. و سمعت زئيراً :
ـ " إنت حمدي زفت ؟ "
ـ " أيوة أنا زفت .. أأأ قصدي أنا حمدي "
بصق في وجهي ثم قال آمراً صاحبيه : " هاتووه " !
لم أمسح ما أصاب وجهي من بصاق حتى لا أغضبه أو حتى لا يشعر بأنني أعترض على ما أصابني !!
ـ بلباس النوم ـ نفذ الرجال ما أُمروا به ، و اجتازوا بي المفازة إلى"البوكس" !
ما توقعت أن يحدث بعد ذلك ؛ كان مجرد توقعات !
تم استقبالي بالمدحِ في شخصيتي و غبطتي على رجولتي و ..
ـ " إنت ابن .... "
أدب و إحترام و أخلاق..
ـ " دا إنت هتشوف الويل يا ابن الـ ... "
و ناس " زي العسل " ..
ـ " ليلتك طين "
حتى آخر لحظة كنت أعتقد أنهم أخطأوا العنوان .....
أنا ؟ أنا لم أخطئ منذ كنت في الثانية عشر ، عندما سرقت " ساندويتش جبنة قريش من الواد حسين " !!
و لكن ....
ـ " إنت اللي كتبت المقال دة ؟ "
ـ " مقال إية يا باشا ؟ "
ـ " بتاع السّمك يا روح أمك "
ـ " أيوة يا باشا هو انت ما بتحبش السّمك و ألا إيه ؟ "
ـ " بتهزر يا خفيف ؟ "
و هوت صاعقة أخرى على ظهر رقبتي !!
ـ " المقال ما فيهوش حاجة غلط يا باشا و الا إيه سعادتك ؟ "
قال مقتبساً من مقالي :
ـ " تمام يا باشا هو في حاجة غلط ؟ دي حقيقة علميّة "
ـ " الكلام دة فية مغزى سياسي و انت كده بتهاجم السلطات و الحكومة "
ـ " أبدا يا باشا ، أنا ماقصدش غير المعنى البديهيّ للكلمة و أنا ماليش في السياسة ولا البطيخ حتى !! "
ـ " بطيخ ؟ ! .. عبد السّميع .. هولاكو .. ظبّطووه .. ! "
ببساطة " ظبّطوني آخر تظبيط " !! خاصّة " هولاكو " يكفي أن أكلّمكم عن طوله ؛ فإنه إن وقف في " بير سلم " العمارة التي أسكن بها لاخترق مفازتها ليصبح كعمود السّواري على سطوحها !
أما "عبد السّميع " فكان تخصص " قفا " !!
و هناك بعض " التظبيطات " التي لا أستطيع أن أحدثكم عنها لأمور ترجع إلى الرقابة .. لا يد لي فيها !!
أما ما حدث بعد ذلك ، فقد توسّط رئيس تحرير الصحيفة عند النيابة بعدما أوضح لهم أنني كما قلت " ما ليش في البطّيخ " و" بخاف م الميّة السّاقعة "
أفرجوا عني بضمان محل إقامتي ..
عدت إلى سريري ، فوجدت النوم قد استغلّ غيبتي ، و هرب من تحت "اللحاف" ؛ فجلست القرفصاء على السرير ...
و لم أدرِ بنفسي إلا و أنا محمولٌ على الأكتاف في إحدى المظاهرات ، أنادي بعبارات التنديد ، و الشّجب و التهديد !







said:

said:


said:
said:





said:

said:





من مصر