قراءة نقدية سريعة لقصيدة "عورينى" للشاعر محمد أبو شوشه
انبهرت بهذا النص الأدبي الجميل .. خاصة عندما علمت أنه لشاعر في مطلع شبابه .. واستطاع ان يرسم لنا صورة جميلة ومعبرة عن ألم الفراق في قصيدته "عورينى" التى تنساب فيها الجمل والصور الشعرية والكلمات المكثفة بالمعاني مما يبشر بمولد شاعر كبير لو استمر يرتشف من ينابيع الأدب بما يصقل به موهبته الأدبية الكامنة فيه .. إنه الشاعر الشاب محمد أبو شوشه .. الشاعر الواعد..
أعدت قراءة النص بعين الدارس لتراكيب الجمل ورسم الصور واستخدام المفردات .. فرأيت النص يعتمد من حيث الشكل علي موسيقي داخلية وإيقاعات وفرتها اختيار الشاعر لتفعيلة (فاعلاتن) و(مستفعلن) أساسا في النظم حتى العنوان "عورينى" علي وزن (فاعلاتن) .. هذا من ناحية الشكل .. أما المضمون:
= فالنص إجمالاً تجربة شعرية تصف ألم فراق الشاعر لمحبوبته..
= تنتشر في النص كثير من الكلمات استقاها الشاعر من الوجدان الشعبي .. كل كلمة تحمل مخزونا مكثفاً من المعانى .. وهذه براعة في اختيار الألفاظ .. ووضع كل لفظة في مكانها في الجملة.
= من هذه الكلمات [ عورينى / سرسبي دمى / مخدتى/ رجرجينى / دمى طرطش/ حبال سفينتك ] إلي غيرها من الكلمات المعبرة الموحية بأكثر من معنى.
= كلمة "عورينى" مفعمة بالدلالة علي ألم الفراق ولعلها أشد تأثيراً ودلالة علي عذاب الفراق من (الذبح بسكين الفراق) .. لأن الذبح مرة واحدة .. ولكن التعوير .. يظل "ينزّ" بالألم طويلا.. وهذا ما تؤكده كلمة (سرسبي دمى ) وما ترمز إليه من استمرار النزف .. فالدم لا يتدفق ولا ينفجر مرة واحدة .. ولكن (يتسرسب) بمعنى ان ألم الفراق ..حبه حبه .. وهاتان الكلمتان تعبران عن المعنى المقصود لدى الشاعر .. (بين ضلوعك اللي حارسه ليَّ قلبك) جميل هذا التصوير .. فقلب الحبيبة تخيله الشاعر في قفص عليه حراس من ضلوعها هي ..ليكون لمحبوبها وحده.. والحارس منها لا من غيرها..
= رائع تعبير "طلعي منى اشتياقي لكل أوطاني في مشاعرك"
= " نتلسع م الفرقة " واللسع أشد وجعا وفيه مفاجأة الألم.
= جميل قوله (حطي في كاسك حبه منى .. رجرجيني واشربينى) تصوير مبتكر .. لكن لا موقع لعبارة ( شربابة دوا ) فهل هو مر لهذا الحد؟ .. والدواء لا يؤخذ باستمرار .. والحب فيه استمرار .. وهو حلو وليس مراً .. أري أن العبارة هذه لا موقع لها في نص يتحدث عن حب محروس بالضلوع .. "إلا إذا كان الشاعر يقصد استفزاز المحبوبة حتى لا تقطع حبل الوصال.
= الشاعر يسكب الدموع للفراق .. ولا يسكبه إلا في ساعة الفراق وهذا شموخ من الشاعر ... فالرجال لا يبكون في الشدائد .. ولكن مع فراق الأحبة يدل علي رقة المشاعر وتمكن الحب من القلب وليس ضعفا.
= والأكثر جمالا وإبداعا (فتشت في جيوبك لقيتك سارقة كل محبتي .. وفي البعاد سارقة مخدتي) يا لروعة التصوير .. يا الله علي المعاني المختبئة في (سارقة مخدتي) معاني كثيرة جدا في هذه العبارة .. وكلمة " مخدتى " وضعت هنا في مكانها الصحيح لما تحمله من دلالات وربما هي أكثر دلالة من (الوسادة الخالية) المشهورة.. لأنه جعل محبوبته تسرق الوسادة ولا تتركها خالية .. سرقتها وسرقت معها نوم الحبيب .. وهو معنى جميل!!!
= لكن !!! هذه الكمية من الحب المتدفق لا تتفق في سياق القصيدة مع (الضلمة اللي خدعاه في ودادك) أين الخداع وضلوع المحبوبة تحرس للشاعر قلبها؟؟ .. إنه دلال وليس خداع.
= عتاب رقيق من الشاعر لمحبوبته يتصاعد منه بخار من لهيب الفراق وعدم انتشاله من (الضلمه) ولو بكلمة تسنده .. واستمتع معى بقوله ( بس الكلام عمال يدور .. مش لاقي منك أي كلمة تسنده.. سيباه يخوض في الضلمه وأنت مغرورة بعنادك) .. وأنا معه .. أرفض الضلمه بين المحبين ففي الظلام تكثر الأوهام.
= أوصله "الضلام" والبعاد والعناد إلي أن يعتبر ما كتبه من شعر "لقمه بايته" .. أو زِيّ (لقمة عيش بتكسر في أسناني) واستعمال كلمة " أسناني" الفصيحة هنا كسرت الوزن.. ولو جعلها عامية لاستقام الوزن هكذا (زِيّ لقمة عيش بتكسر لي سناني)
= رغم أن العصافير في السماء ممتعه .. إلا أن الشاعر يخاف أن تشغله عن محبوبته .. فقد حلقت العصافير في سمائه وهو يريد أن يحتمي بحبيبته .. وينادى اسمها لتهرب تلك العصافير التي تطارده .. ويزرف الدمع لبعادها ولكن (هيروح فين البكا في بحورك الرايقه .. السايقة كل قلب شمال ويمين.. هل لهذا الحد بحور المحبوبة تسوق القلوب وتلعب بها شمال ويمين؟؟ ولكني أقول المعنى في بطن الشاعر ومفهوم عصافير الكناري أيضا في بطن الشاعر؟؟ فقد تكون عصافير آدمية!!
= رائع قوله ( نفسي ارسي .. وقبل مارسي .. أخد كل حبال سفينتك .. واربطه علي بر قلبي عقده عقدة) الله الله يا شاعر علي هذه الصورة .. سلمت يداك.
= حينما يدق قلبها "الغلبان" (اختيار كلمة الغلبان .. وكلمة يدق ) لها دلالتها.. ويقول له (أنا مش حبيبتك) .. اعتقد ان هذه العبارة من قلب يدق وغلبان لها مغزاها .. أنها تنتظر منه مزيدا من عبارات الحب حتى يشبع القلب الغلبان وتهدأ دقاته .. لهذا تعجبت من رده عليها : (ولا في يوم كنت حبيبتي) أُمّال الألم ده كله كان ليه؟؟؟؟
لقد نسف رده عليها ما صوره من الم الفراق وأنها عورته وذبحته بسكينة الفراق..
كنت انتظر مثلا أن يرد علي دلالها بما يريح قلبها الغلبان ويقول لها مثلا :
صحيح كلامك يا حبيبتي.. أنت بس مش حبيبتي
دا أنتِ روحي وجنتي
دا أنتِ قلبي ومهجتي
معجون في جبك كل سنتي في جتتي
يا كل شئ في دنيتي .. يا فرحتي
هذا علي سبيل المثال
وبعد...
= قبل هذه الجولة في معزوفة الطبيب الشاب محمد أبو شوشة كنت أظن أن قلم الطبيب هو المبضع ومداده الميكركروم والديتول .. ومنشفة مداده .. القطن الطبي.. وأراقه التى يكتب عليها هي الجسم البشري وأعضاؤه .. ولكنى بعد القراءة .. أيقنت أن الطبيب يمكن أن يحمل في يده الأخرى قلما مبدعا .. مداده نبض القلوب ومجاله المشاعر والأحاسيس وأوراقه هي أوراق الورود والزهور .. وانه قادر أيضا علي علاج آلام الوجدان كما يعالج آلام الأبدان .. وهناك أطباء كبار سبقوه في هذا الميدان .. وغردوا في سماء الأدب .. بل بعضهم خلده القلم .. أكثر مما خلدهم المبضع..
أتمنى أن أراك – إن كان لي في العمر بقية – رباً للقلم .. ورباً للمبضع في آن واحد.. فقط لا تهمل القلمين.. علي فكرة (شوشة) الأشجار أعلاها .. فكن عاليا كاسمك.
والله ولي التوفيق
سعيد حسين القاضي







said:

said:



said:
said:




من مصر